حجاب المرأة بين جور التفسير الفقهي و التلاعب اللغوي

By  










فقه الدين الاسلامي لم يكن بمنأى ابدا عن بطش السلطة و تلويحها بالتهديد لكل من مثل كلمة الحق المتجلية في الآيات القرآنية، و لم يكن خلال حقب التأريخ الا ممثلا لعصاها. 



من جانب آخر كان الفقه المعني بقضايا الانسان، و هي الباعث الاول لانزال الكتب السماوية، مقصيا و مضطهدا و مبعدا عن المشهد الآني و التأريخي. 



ان كنا نقرّ ان القرآن قد حفظ من التحريف المباشر ، و لم يعان ما عانته الكتب السماوية الاخرى، فلابد ان نعترف ان التفسير القرآني قد ضاق حقا بمحرفي المعنى و التلاعب اللغوي، هذا ان علمنا ان لكل مفردة عربية الكثير جدا من المعاني، و ان بيننا و بين اوائل المسلمين 14 قرنا من الزمان. 



مسألة حجاب المرأة اتخذت مساحتها الواسعة فقهيا اكثر مما يعنيه الغرض منها، خاصة و ان الآيات التي تناولت الزي بشكل عام معدودة جدا، و نزلت متأخرة عن غيرها من الآيات، لأغراض آنية بطل معظمها لانعدام العلة و بالتالي زوال المعلول. 



ان تضخيم الفقه لبضع آيات على حساب كتاب كامل معظم ما جاء فيه يخص تنظيم الحياة الاسلامية و وضعها تحت رعاية قانون ينصف المظلوم، و يوزع الثروات، و يأمر بالاحسان، و المعاملة المنصفة، له اغراضه التي تصرف المرء عن مطالبة سلطان جائر بحقوق المسلم لديه، و التزام الظاهر دون الجوهر، و اعتماد زي المرأة، و لحية الرجل كحجر اساس لتطبيق شرع اختصر بهما لا سواهما. 



كلمة حجاب تجمع على حُجُب، و تعني كل ستر، او ما حال بين شيئين، كما ورد في الآية الكريمة(53) من سورة الاحزاب، و هي تخص نساء الرسول حصرا. 



"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا" 




كلمة وراء هنا تحدد قيمة مكانية معينة تتلخص بالوقوف خلف حجاب لاتقاء النظر الى نساء النبي (ص،) و الخطاب موجه لمن يسأل المتاع، و بالتالي فالحكم يقع في هذه الآية على الرجل، و ليس على المرأة التي سُئلت، اضافة الى ان موضعا جسديا محددا لم يعلن بأسمه المعروف..لم يذكر الراس و لا اي جزء اخر من اجزاء جسم من يسأل المتاع او ممن يستجيب له من نساء النبي (ص) كما لم يأت على ذكر الزي بتاتا. 



لا يصح لنا هنا التشبه بنساء النبي: 


اولا، لأن احكامهن في القرآن خاصة جدا، و عليهن ضعف عقوبة الحرة عند إرتكاب إثم. 


ثانيا، تطبيق احكام الآية يجب ان يكون كاملا لا استجابة لاهواء فقهيه فالآية قد ذكرت سبعة احكام مختلفة و جميعها موجهة للرجال لا النساء: 


1 - عدم الدخول الى بيت النبي دون استئذان الا ان تمت الدعوة من قبله الى تناول طعام. 


2 - عدم النظر الى إناء فيه طعام دون دعوة من قبله ايضا. 


3 - عدم تناول الطعام الا بدعوة من النبي (ص). 


4 - الانتشار بعد تناول الطعام مباشرة اي مغادرة المكان فورا. 


5 - عدم الشروع بحديث مع بيان السبب وهو اذى الرسول وخجله من ان يطرد ضيفه لكن الله سبحانه وتعالى لا يخجل من الحق فامرهم بصريح آيته بالخروج سريعا. 



6 - اذا سألتم نساء الرسول (ص) متاعا والخطاب موجه للرجال فاسألوهن من خلف حجاب مع بيان السبب هو ابتغاء طهارة قلوب الرجال وقلوب نسائه ودون ذلك سيكون مؤذيا لرسوله. 



7- لا يحق لاي رجل ان ينكح زوجات الرسول (ص) بعد وفاته مع بيان السبب بقوله "إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا". 



هذه هي الاحكام السبعة التي انطوت عليها الآية من شاء تطبيقها خلافا لما امر الله وقد خص بها الرسول ونساءه فعليه تطبيق الاحكام السبعة كلها وهذا محال لان الناس تدخل على بعضها البعض وتأكل وتجلس تثرثر والضيف يرحب وان كان ذلك مؤذيا له مع امكانية زواج المرأة المسلمة بعد انقضاء العدة. 


هذا يعني ان الآية "53" من سورة الاحزاب غير موجهة لعامة المسلمين ولسنا معنيين بها ابدا. 


ما يتعلق بالزي في سورة الاحزاب ايضا: 


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً* لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا 


الاحزاب 59 


ليس هنالك من سبب لنزول آية تنص على وجوب تغطية الرأس وهو مغطى اصلا كجزء من زي الرجل البدوي او المرأة بحكم الطقس اتقاء لسموم الحر وزمهرير الشتاء عدا انهم كانوا يتلثمون للسبب نفسه من الجنسين ولم يكن خلف ذلك موروث اخلاقي او ديني سوى تأثير المناخ الصحراوي والجلباب هو الرداء الواسع او الإزار ولا علاقة له بالرأس تماما. 



فعل دنا بمعنى اقترب، وعادة يكون اتجاه الدنو من الاعلى الى الاسفل كما في الآية " قطوفها دانية [الحاقة :23] وقد اقترن الدنو بغرض التعريف بهوية المؤمنات الحرائر تمييزا عن غيرهن من الإماء عند خروجهن ليلا لقضاء حاجتهن في الخلاء فلا يؤذين من قبل الغرباء من الرجال الذين وصفوا بالمنافقين والذين في قلوبهم مرض وليس كل الرجال والمقصود بهم من اتوا لتعلم مباديء الدين الجديد. 



اي ان الآية قد امرت بوضوح ان تحمي المؤمنات الحرائر انفسهن بإطالة الجلباب كي يتميزن عن الإماء. 


والجلباب هو الرداء الواسع وبمثابة الإزار اليوم. 


ايضا لا شأن له بالرأس وللآية سببها الآني. 


" وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ " 


الخمار هو غطاء الرأس والجيب هو ما انشق من الثوب فتعرى ما تحته. 


و الآية تطلب ان تغطي المراة بأطراف غطاء الرأس ما كشفت عنه قبة الجلباب من شق ما بين النهدين مفترضا ان الراس مغطى سلفا. 


و لو كان المقصود هو الرأس لحدد لفظا كما جاء في الآية الكريمة التي تشرح الوضوء: 



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْوَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}.. 



تم في هذه الاية الإشارة الى كل المواضع المشمولة بالوضوء وهي مكشوفة. 


بالتاكيد لو كان غطاء الرأس من الاهمية بما له اليوم لتم ذكر الرأس حتما وما كان الله ليرتضي حيرة عباده فيه. 



الا ان ما يعرف بالحجاب اليوم هو اجتهاد الفقهاء لا غير لم تصرح به آية ولم يأت ذكره في حديث ومعظم من يشددون عليه يستندون الى الحكايات المتناقلة عبر 14 قرنا حتى يومنا هذا. 



ما بقي هو ان البعض يرى في العودة الى الزي العربي القديم كجزء من تطبيق لتعاليم الاسلام وهنا علينا بعودتنا الى زيهم التخلي عن بيوتنا وعن كل ادوات التكنولوجيا والعودة الى الصحراء والجمال فتكون لنا بهم اسوة حسنة وعلى الرجال ان يتعمموا ويرتدوا الجبة قبل ان ترتدي النساء زي المسلمات الاوائل. 







Unknown

About Unknown

كاتبة عراقية ملحدة الحمد للعقل على نعمة الالحاد. تولد عام 1964. حاصلة على البكلوريوس في الطب و الجراحة البيطرية. صدرت لي عدة مجاميع شعرية. تنوع نتاجي الأدبي بين الشعر و القصة القصيرة و النص المفتوح و المقالة. لازال هناك المزيد من المخطوطات الشعرية والقصصية تتكدس بين برزخ الحلم و حقيقة التجسد...... لدي مشاريع روائية تنتظر لحظة قطافها.،

Subscribe to this Blog via Email :