بقعة 22





انه ينطلق بمحض الجنون الذي صنع منه..
يمزق الحرير الذي رفلت به الأجساد..
يثقب عين الشمس في بؤبؤ راحل..
يغير الأشكال و يحيلها الى أضغاث حلم مر بخاطر الأرض..
يود الشيطان لو انه توقف..
فلم يظن يوما ان التحريض سيحيل متعته في الثورة و التمرد الى جحيم..
من سيوقف هذا السيل المنطلق من فم أدرد سحيق؟..
من سيضع كفه فوق العراق و يقيه مطر الحمم؟..
من سيكتب بعدي ان الدنيا في أعيننا كانت غير التي صارت عليه؟..
من؟....

من سيكتب انني كنت كما لا يعلم أحد؟؟......


بقعة 21




تلك الوشيجة الممزقة لليقين لم تكن بيني و بين الماء فحسب..
انها كل جدوى الوجود الذي مضى دون عودة..
كل ما هو قادم سيلامس كفي و يغيب..
كأنه لم يكن أبدا......
ها هنا أعود كطفل بريء يكتشف الوجود لتوه..
لا يأبه لخطر النار......و لا يرعبه موج البحر الهادر..
فكل ما امتلك أبعاده معني بها دون غيرها..
و أنا ادرك جيدا ما وجدت بين الأنامل و على راحة كفي في ذلك اليوم العابر من بين المجرات.. الخالد أبدا في ذاكرة العدم..
كفي الفارغ من الشيء و ضده..
فمي المنهمر من صدى الكلمات و مرادفاتها..
عيني المتعلقة بين ذكرى نور و وهم ظلام..
انفي المقحم بين الروائح المتسربة و طيفها الذليل امام حكم التلاشي..
عند مرتفع القبر ينتظرك طيفي ان تخط قرب اسمي:
مثل اليلم بالماي يرد جفه خالي......

ذلك هو كلما تمخضت عنه حياة امرأة عراقية.....


بقعة 20




شراع قد نسج من خيوط أحلام..
و بحر وجد على أعتاب مخيلة..
ان السفر الذي طرق باب الوجود كان ذلك الصلصال المطواع بين أنامل التمرد..
ها أنا أفتح نوافذ الأمواج.. و أترك لها حرية اغراق سجني.. لعلي أصل الى القاع.. لن يذهب بي ذلك الموت المحتمل الى أبعد من مكنونات الأشياء.. لن يخذلني عند شواطيء اللامنتهى..
سأجتاز اليوم نحو الغد..
سأكون أنا كما شئت يوما..
و سيكون العالم بحلة ألواني..
اني هنا في هذالموضع من ثكنة السلام لن أنكسر..

في النهاية سيكون دربي درب كل من ضاقت بهم الأرض و هم ينشدون حرية سماواتها.....



بقعة 19




هل تكفي غيمة لتستر شجرة؟
هل يعني السماء شيئا ان أمطرت أغصانها بقسوة؟
هل يمكن للعشب ان يكون الرداء؟
ان العري حين يصبح واقعا لن يكون هناك بدا من كساء..
و حين لا يمكن للكساء الا ان يكون ورقة...فكل ما سواه هراء.....
انني بحاجة لكل ورقة بددها الزمان...و أطاح بكبريائها المكان...
اني بحاجة للدقائق التي ولد فيها على أغصاني ربيع نزق...
بحاجة لذلك الدفق الذي يدعونه ثورة...

بحاجة لكل ما فقدته من ثراء المنطق بين نزق الربيع و اخضرار ما حولي دون عودة اوراق رحلت......



مسلخ داعش




في طريقنا الى المسلخ، لم أشعر بأي خوف.. بدوت كأنني ذاهبة في نزهة على شاطيء ما لم اره من قبل..
النخيل الذي أصطف على الطريق العاري من رهبة الإختفاء شهد بإخضراره مويجات معتدلة الصخب بين صهيل سنابك الموت السوداء.. بعض رطبه سال بعسله على وجنات الأرض الكالحة تحته دونما كبرياء..
ألفة مع الشارع المعبد أمام سيارة الأجرة التي تقلني نحو المسلخ العام منحتني الكثير من السكينة..
قد مر أولادي من هنا قبل سنوات.. كذلك زوجي، و أمي، و شقيقاتي جميعا..
لست أدري ان صرخوا هلعا، أم اعتراهم الذهول.. لست أدري شيئا..
مثل جميع الناس أدركت ان من يسلك درب المسلخ لن يعود، و ان ما يحدث هناك كالذي يحدث في جنة و نار بعد قيامة، لا علم لأحد به..
و لم يكن عسيرا علي ان أفهم اني لن ألتقيهم أحياء هناك، فهذا مسلخ، و قد يكون مصير العجول و الخرفان مترف ازاء مصيري الذي سيمر بمراحل موت ابن المقفع او الحلاج قبل أن أهمد الى الأبد..
ودعت بعينين نهمتين كل مظاهر الحياة، الشمس، و النخيل، و العشب الذي نما بشكل عشوائي هنا و هناك..
أرهقتني نظرات السائق الملحة في مرآة السيارة.. كأنه ينتظر مني ردة فعل سوى لامبالاتي الغريبة، و حملقتي في النافذة دون تساؤل أو حتى احتجاج..
_أتعلمين أين أنت ذاهبة؟
-بلى..
_أتعلمين ما يحدث هناك؟
_بالطبع لا..
_هل عاد أحد من أهلك الذي غادروا بسيارتي هذه؟
_لا..
_لم أنت صامتة اذن؟
_لأنني ذاهبة للمسلخ..
_أيتها الحمقاء، انه ليس جزيرة سياحة..
_اني أراه كذلك..
_عجبا..
_ما العجب، ألست السائق الذي حمل سائق الأجرة السابق الى المسلخ؟
_بلى
_ألن يكون هنالك يوما ما سائق أجرة آخر يأخذك اليه؟
-على الأغلب..
_لم تعيش نشوة اقتيادي اذن؟
_لازلت أمتلك الوقت..
_أنا أيضا أمتلك الوقت حتى الوصول، و أتمنى أن تصمت لأستمتع بكل ما حولي الآن..
وقفت السيارة أمام باب أسود كبير موشوم بعشرات الأكف الدامية..
_لم يعد من متعة بعد الآن..
رن صوته مبتهجا
ترجلت من السيارة نحو البوابة، و السائق يتبعني بذهول...
دلفت المسلخ، و في رأسي سؤال واحد:
_من أوصل سطوري هذه الى قرائها؟؟




بقعة 18





جميعنا نبحث عن القشة التي تبحر بنا نحو اللحظة الآتية، فطوفان نوح قد بدأ، و لم يأخذ هيئة بحر، و لم يقدم نفسه كغضب اله على قوم تائهين.......

بعضنا يتجه بعينه نحو السماء، و يطلب الغفران منها عن كل آثامه، و البعض ينشغل بتفاصيل يومه حتى البلاهة، البعض يغيب خلف دهاليز اللذة الهاربة من واقع مضني.....


و هناك قلة تفتح أعينها جيدا، و تتلمس مخمل الواقع، و وعورة باطنه، تعلن عن اكتشافاتها لحقائق غير مرئية، و تموت في أبراجها التي يخشى الناس علوها، و يعدون سكانها من الكافرين..........



غوانتانامو إبليس..







اهداء
الى غربة المؤمنين بالحق بين أقوامهم......
الى عشيرة حكمت علي برفع لقبها من اسمي خوفا على شبع بطونهم بعد جوع و 
حصار.......



أود الخروج من هذا المكان..
لعلي حين أركض في الوادي أجد مخرجا ما من ضيق صدر الجبل بي..
الكهوف المظلمة تختبيء خلف فوضى الأشجار.. ، و الشمس تجلس على رأس الجبل في غير تعال منها.. ، و لغط القرية ينطح السماء دون منائر.. ، دون رغبة من الرب في صلاة قومه..
ليس جديدا عليّ تبرمهم من توغلي في الغابة.. ، و لا موافقتهم لفتوى جوان مخترع العابنا الذي لا يضاهيه أحد في ذلك:
_هذا لا يقع ضمن إتفاقنا على قوانين ألعاب ألفناها كل يوم.. ، كما اننا نعرف جيدا ان السعلاة و الوحوش تتربص بنا هناك..
حكاياتي عن السهل الممتد في أراض لا تستوطنها الأشجار أضيفت الى أطنان الكذب التي رصدوها تطن في رأسي طنين الذباب، و أصبح لديهم يقين بجنوني عندما أعلنت سورة البحر و الصدف، و امتداده حتى خط غريب يرافق الشمس أينما ذهبت، لا ترى بعده العين شيئا..
أما سورة النهر و عذوبة مائه، و إتصاله بنبع قريتنا، فقد كانت محض نكتة، تندروا بها علي طويلا، و صرت _وفقا لغرابتها_ خاسرا بينهم في كل لعبة، و إن فزت فيها حقا، أو تفوقت على جوان أيضا..
إشتكى بعضهم لأبي بسبب إفسادي لسباقاتهم و ألعابهم بسوري العابثة بيقينهم الخالص..
 _لا تقصي كل كابوس حلمت به على رفاقك في اللعب..
هكذا نصحني أبي موبخا إياي..
لم يجد نفعا قسمي له انني قد سبحت حقا في البحر، و في النهر مرارا، لم يفهم أصلا معنى كلمة سبحت، و لم يعرف معنى كلمتي نهر و بحر، فجميع ما قلته من غريب الألفاظ، تمخضت عنها لغتي الأنثوية اللقيطة..
بلا شك أسَرَتني الوحدة.. ، و أضحيت أرتقي الجبل كل يوم قاصدة كهف إمرأة عجوز، أتهمت قبل أن أخلق أنا بالجنون..
عظمت فرحتي.. حين صدقتني تلك المجنونة، و وافقتني مؤمنة بوجود كل ما أنكره الآخرون علي.. ، غير انني سرعان ما شرعت ببكاء مرير، و أنا أصغي لنصائحها الهادئة..
في الليل، و أنا أرتجف تحت دثاري مغتالة بحمى الاغتراب، تذكرت ما قالت، و عيناي تطاردان النجوم في تظاهرتها التي لا تنتهي الا عند قمة الجبل..
ترفّل صوتها أمام الصمت كما لو ان وحي جبريل قد تداخل معه..
_لعلك عند مفترق سبيلين لا ثالث لهما، إن شئت استمري في ثرثرتك حول ما لا يرونه حتى تصادفي يوما ما طفلا جريئا يتناوشك بالحجارة، لينضم بعدها أقرانه اليه.. يتبع ذلك إستحسان الكبار لما يردده الصغار، لتمر الأعوام، و تشيخي في كهف مشابه لكهفي..
 و سيان إن هربت بجلدك عند أهل النهر و البحر، فهناك أيضا لن يصدقوا حكاياتك عن الجبل و الوادي، و الناس التي لم تر نهرا أو بحرا أبدا، و لن يطول الوقت حتى يتجمع حولك الصغار بحجارتهم، و الكبار بتندرهم..
 استطالت الكلمات كعتمة ليل لا ينتهي، و شق علي أن أحتمل صدى صوتها بين رؤوس الجبال، و قعر الوديان لولا تمرد فكرة في رأسي المضطرب.. ، قمت بتنفيذها على الفور..
على ورق المدرسة الرخيص دونت ما علق بذهني مما رأيت، كما تدون قصص الخيال و الروايات..
_أتندهشين مما أفعل يا جدة؟
أظن ان لكل شيء هيئته الاسطورية بين منحنى الادعاء المضطرب، و استقامة الصدق العجول، و بلاهة الايمان...
ربما سأحشر كتاباتي يا جدة في قوارير زجاجية مغلقة لتسير مع مجرى النهر و البحر.. وصولا الى منتهى إلتقاء السماء بالأرض..
لعل مجنون آخر يعثر عليها، فتغتنمه سعادة وجود من يشاركه جنونه ، و قد تكتنفه شجاعة الرسل بما يكفي لوضع قصته بقارورة تبلغني مع ريح الشتاء الثلجية..
ربما يا جدتي المنفية في كهف، سنتفق بعدها أنا و المجنون المفترض على موعد لقاء..
 و قد تتكاثر القوارير كتكاثر الأنبياء في العصور الغابرة.. و تصبح أكثر من السمك، و ما تحمله الريح من بذور لقاح ، فلا يحصي صياد سمكة الا مع قارورة أو ثلاث.. و لا تهب عاصفة الا و معها قوارير المجانين..
قد نغدو شعبا من صناع القوارير، نقيم في كل مكان مهرجانات تتناثر كأوراق خريف، و تتناغم مع الفصول..
 قد نتجمع في جزيرة غوانتانامو دون حراسة مشددة، و برغبتنا المحض..
و قد يعدو هذا محض هلوسة مني يا جدة.. ، أو نضوج مبكر لجنوني ، قبل أن يكتشفه رفاقي الصغار، و كبار القرية.. ، قبل موعد رجمي بحجارة كإبليس في كعبة الحجيج..
__________________________
ملاحظة لجدتي قبل إقتراف المعصية:

أنا في طريقي الآن الى البحر كي أرمي فيه أول قارورة جنون...........